|
بين الفوضى السياسية والفكر السياسي
هشام محمد علي
(1)
كل الدنيا تسمي التقدم تطوراً إلا في شعوبنا
فالعودة تطور
لماذا لانملك فكراً سياسيا؟ الأننا لا نقبل ان
نعرف تاريخنا؟ الأننا لا نقبل بعضنا؟ الأننا لا
نقبل غيرنا؟ هل لأنَ فينا من لازال يفتخر بغلظتِه؟
أم لأننا...........؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
لا يمكن حصر الأسباب في ورقةٍ كالتي بين يديكم،
كما ولا يمكننا الإجابة على الأسئلة اعلاه مثلما
تستحق، لكن محاولة الوصول إلى خطوط عريضة لبعض من
هذه الأسباب قد تكون.
في كل مكان وزمان، الفكر والنظريات هي التي تطور
المجتمعات وتبني الحضارات التي تصنع التاريخ
لشعوبها، وشعوبي تنادي تاريخها لتبني لها مجتمعها
المتفكك فكرياً وسياسياً.
لم تننتج شعوبنا افكاراً سياسية ولا غيرها من
افكار في التاريخ الحديث او المعاصر، وهي لم تتقبل
حتى الأن نتاجات غيرها من الأفكار والنظريات، إلا
ما لا يمكنهم الإستغناء عنه او مايَفرض نفسه دون
القدرة على ردعه لأنه الصح واضحٌ كما الشمس، وبسبب
كثرة المقداسات وتداخلها في كل مناحي الحياة
اليومية بما فيها الثقافية من مسرح وادب وإعلام،
فهم يطرحون ما يستعيرونه من مفاهيم على اساس انه
نتاج اصيل، كأن يؤسلمون المفردة، فيقال "الإعلام
الإسلامي" إذ يضعونَ لها عناصرها ومرتكزانها وما
إلى ذلك من أحتياجات، ليُبينوا بأنها مذ كنا كانت،
والسؤال هنا، اي فراغٍ يملون بمثل هذه الأفعال؟
سوى فراغات مساكينَ لم تتهيء لهم الظروف المناسبة
لأن يتعرفوا على ماهو الصح.
المشكلة لا تنتهي لهذا الحد، بل تبداء عندما تجرى
البحوث والدراسات حول مثل هذه المصطلحات التي هي
اشبه ما تكون بمواد نظام داخلي لحزب ما، والبحث
حولها لايزيد الوقت إلا ضياعاً والعقل تيهاً.
طريقة ممارستنا للسياسة خير دليل على ركاكة فكرنا
السياسي، الذي حسب العلوم السياسية هو "كل مايصدر
عن العقل الإنساني من اراء تتصل بالمجتمع السياسي"
فهل لدينا اراء حول المجتمع السياسي؟
هنالك فوضى عارمة في "فكرنا" السياسي، فالواقع
الفكري متأزم اكثر من اي وقت مضى، رغم انه غالباً
ماكان يعاني من مثل هذا التأزم، لكنه الأن ينبيء
بأستمرارهِ إلى أجلٍ غيرِ مسمى.
بسبب هذه الضبابية، دائماً ما تأتينا الحلول
الجاهزة لمشاكلنا من الخارج، ومما لايقبل الشك ان
هذا الخارج يفكر بالحلول على اساس حصوله على
الفائدة الأكبر منها بعد دخولها حيز التنفيذ وليس
على اساس ان الحل هو لأجل الحل، كما جرت العادة
بخصوص المعاهدات وألاتفاقيات السابقة، والمتجسدة
الأن بمشاريع شرق اوسطية منهالةِ ابتداءً من مشروع
الشرق الأوسط الكبير (الأمريكي) او الشرق الأوسط
الجديد (الأسرائلي) رغم ان اسرائيل دولة شرق
اوسطية لكنها نادراً ماتحسب كذلك عندما يكون
الحديث عن البؤس والقهر والدكتاتوريات.
او ان تكون مشاريعنا ردود فعل على مشاريع الأخرين
كأن يخطط الأخر ويبحث ويفكر ملياً فيقول انها
"الأرض" فيعود صاحبنا وعلى اساس رد الفعل، يقول بل
الحل في "السماء" كما الحال في (مشروع الشرق
الأوسط الواسع) الإيراني الذي هو ليس سوى ردُ
فعلٍ، ونقيض للمشروع الأمريكي،
والغالب ان اي من هذه المشاريع لن يكون بمقدوره
رؤية النور او ان يجد لنفسه مؤطأ قدمٍ في الواقع،
فهذا ما يدل عليه معطيات الساحة السياسية.
سنقوم بجولة سريعة حول مجريات الأحداث السياسية
الأخيرة في المنطقة أبتداءً من اخرها في لبنان
عندما تحدث حسن نصرالله في خطابه الأخير في
07/12/06 من منطق وطني بحت "كما يعتقد" مسامحاً من
اراد موته من ابناء شعبه على يد "عدوهم" التاريخي،
وشاكراً ابناءَ اوطانٍ أخرى (قاصداً، ايران
وسوريا)، ومثل هذا كثير في كتاب صدام الحضارات
عندما يذكر هنتكتن كيف ان المكسيكيين يتظاهرون في
امريكا رافعين العلم المكسيكي، والمسلمين من خارج
المملكة العربية السعودية يحملون العلم السعودي في
مظاهراتهم داخل بلدانهم، الذين هم اصلاً لأجئيين
فيها هرباً من سطوة بلدانهم، يعيشون مع المنتمين
إلى غير انتمائهم، وهو يرجح ان السبب الأول للعنف
هو هذا لأنتماء الذ يسميه "الحضاري" وهو يعتقد ان
خطوط التماس الحضاري هي الأكثر عنفاً، وان
الأنتماء هو سبب الصراعات على الساحة السياسية
الدولية والمحلية، وبصورةٍ اكبر مما كان عليه في
اي وقتٍ مضى.
اما في الشأن العراقي الذي طالما وجِدوا من هم على
رأي السيد حسني مبارك، بالمناداة بأنتماء شيعة
العراق لأيران، وأتِهام السنى بالأنتماء للسعودية
وغيرها، والشيء الحقيقي ان هذا كله صحيح، رغم اننا
نفضل ان نقول تعاطفاً لا أنتماء (رغم انه مصطلحً
سياسي) فالسيد عبد العزيز الحكيم كانت اولى
قراراته او دعواته، بداية ترأسِه مجلس الحكم
السابق، أن يعوض العراق دولة إيران الإسلامية عن
الخسائر التي تكبدتها في حروبها (يالجرئته) وقبل
ايام من الأن قال السيد عدنان الدليمي عن السعودية
"انها لاتتدخل في شوؤن العراق الداخلية، لكنها
تنصح بتعقل"!
هل يولد فكر سياسي في ظل كل هذه الصراعات المستمرة
والإنقسامات؟ التي باتت السمة الأبرز في بلداننا
المريضة التي كل يومٍ تتكرر على خشبتها مشاهد
مسرحية الأيدي القذرة، ليستعير ابطالنا من ابطالها
مبررات مايفعلون وقت ما يكون الحين حيناً حسب
مفهومهم للوقت.
(2)
لأ زلنا ابعد من ان ننكر وجود الصراعِ على الهوية،
التي هي من بين كبريات اسباب انطواء الشعوب حول
معتقداتها وافكارها المحلية، مع عدم تقبل الأخر
بكل نِتاجاتهِ بغض النظر عن مدى صحة النتاج من
عدمه او مقدار الحاجة له، إلا فيما يخص الترفيات
التي لا تمس سلطة "الحكام".
بعودة صغيرة إلى لبنان، تحديداً إلى ردود فعل
الفئات اللبنانية تجاه الحرب الأخيرة بين إسرائيل
وحزب الله، نجد أن ألأغلبية البرلمانية أعتبرت
الشعب اللبناني هو الخاسر، في حين أن غالبية
الشيعة رأت ان إسرائيل هي من خسر الحرب. حسب
إستطلاعات الرأي التي كانت قد أُجريت من قبل، فأن
نصف الشيعة يعتقدون بوجوب استمرار محاربة إسرائيل
حتى لو أعادت كل الأراضي التي تحتلها، في حين هناك
من داخل لبنان من يعتقد بصلاح أسرائيل مقارنةً مع
لبنانيين أخرين.
الأمر ليس بالمختلف من ناحية الأتفاق على اللا
أتفاق، بخصوص برنامج ايران النووي التي تسانده
وتؤيده غالبية الشيعية في لبنان، بينما يعارضه
السُنة والمسيحيون والدروز، ومن الممكن أن يؤيده
الأن بعض المسيحيين بعد التحالفات الأخيرة وتشكيل
جبهة المعارضة.
هذا اللا أتفاق يسود مجمل أراء اللبنانيين إزاء
القضايا الدولية و حتى توجهاتهم نحو دول "الغرب"
وروسيا، فكيف بمقدور بلدٍ كانت تقول عنه الأمثال
انهُ بلد طبع الفكر العربي، (مصر تؤلف، لبنان
تطبع، بغداد تقراء) أن ينتج فكراً سياسياً وهو على
هذا الحال الذي قطعاً، هو ليس بالحال الطارئ ولا
هي الحالة الوحيدة بين دول المنطقة التي لا دولة
فيها تؤمن بسيادة غيرها، وهنا المعضلة اكثرُ
تعقيداً إذ هي تخرج من دائرة الأفرد والمجتمعات،
لتدخل حيز الدول، لتصبح مشاكلنا هرمية الشكل (هرم
معكوس) كما موضح ادناه، الكل اضداد الكل والنتيجة
صراعات مستمرة وليس كل جديد.
الجديد في الموضوع ان العدو المشترك هو الذي طالما
كان سبباً لحل المشاكل الداخلية وتظافر الجهود
لأجل لملمة الصف الداخلي، ولكن الحرب الأخيرة (حزب
الله - اسرائيل) ضربت هذه القاعدة عرض الحائط، إذ
نظرية العدو الخارجي زاد لبنان ضعفاً وليس العكس
الذي يعتبره بعض السياسين نعمةً سياسية، فقد قال
احد الروس للأمريكيين بعد انتهاء الحرب الباردة
وانهيار الأتحاد السوفيتي "لقد حرمناكم من نعمة
وجود عدو".
الهرم اعلاه يُطبق على ذوي الإنتماء الواحد في
جميع الأنحاء، كما هو يطبق على الدولة الواحدة
والأقليم الذي يضم عدة دول، تتداخل المكونات فيما
بعضها البعض والكل ضد الكل حسب المفهوم العدائي
للضد لا الأختلاف.
لإتضاح الصورة سنذكر هنا المرشد آية الله خامنئي
الذي كان قد صرح على الملاء قائلاً "سنهزم امريكا
في لبنان" ولا أعرف إن كان احدهم قد قال بأنهم
سيهزمون امريكا في العراق ام لا، ولكن وللتاريخ
ليس إلا، فهم قد هزموا امريكا في العراق او هكذا
يبدو الأمر حتى الأن، ودعوة بيكر/هاملتون في
تقريرهم وفي عدد من المواد إلى ان من مصلحة
الولايات المتحدة التعامل مع ايران، وقد جاء في
الفقرة الثامنة (إن التعامل مع إيران وسورية مثار
خلاف. ومع ذلك، نرى أن أي أمة، من وجهة نظر
ديبلوماسية، يمكنها وينبغي عليها أن تشرك خصومها
وأعداءها في محاولة لتسوية النزاعات والخلافات
تماشياً مع مصالحها) ترى كيف أستطاعتا إيران
وسوريا أن يحققَ هذه المكانة؟
مؤكد على حساب "مقدساتهم" ضريحي العسكريين في
سامراء وارواح الاف الشيعة، كذلك الأمر بالنسبة
لصعود نجم سوريا، وهذا ما يدخل ضمن "النحن الدولة"
وليست الجماعة او الحضارة، رغم انها قد تكون
بالمحصلة ضمنهما.
إذن فغاية ايران وسوريا هي "نحن" على حسابِهم، في
حين أن السفن الأميركية تستقر على مقربة من
الشواطئ الإيرانية. وهم يحاربون في لبنان والعراق،
وكذلك السوريين الذين ينددون بأسرائيل والجولان
هادئة هدوء مالا قبل العاصفة، وهي تصفي حساباتها
في العراق وفي لبنان.
الأنتماء دائما ما يكون مصدراً للنزاعِ على الحكم،
على السلطة التي في ثقافتنا يجب ان تروى بالدماء
والمكائد، أيُ فكرٍ سينتج عندما يكون الحالُ على
هذه الشاكلةِ من الفوضى؟ وعلى مر عقود بل وقرون.
لا غرابة ان قتلوا علماء خطأوهم، إستناداً على
قانونهم الذي ينص على أن من يُخطئهم يحملُ رغبةً
تأمرية في سبيلِ إضعاف عزيمة الجماعة التي إما ان
تكون منها او ضدها.
(3)
إذا ما ذهبنا إلى العراق بإعتباره من بين اقدم دول
المنطقة، سنرى تاريخاً شاهداً على مدى عنف الإنسان
تجاه أترابه منذ بابل واشور الشهيرة بإتقانها
لصناعة الأسلحة والرائدة التاريخية فيه حسب تاريخ
العراق القديم الذي يُدرس للطلبة على انه تاريخ
امجادٍ وانتصارات (اعتقد اننا اكثر من يستخدم كلمة
نصر، بسبب او بلا سبب) إذ يشرح الأستاذ متفاخِراً
ان "الأشوريون هم اول من صنع العربة الحربية" فما
المنتظر إنتاجه ممن يتفاخر بعربات الموت؟
بالعودة إلى جماعات الأنتماء المختلف، نقول ان ليس
من الضرورة ان يكون الخلاف بين أضداد الأنتماء
وحدهم، بل قد توشك في اي لحظة حرباً بين ذوي
الإنتماء الواحد بسبب اختلاف مصالح من يقودونهم
إنطلاقاً من مرض السلطة وإستناداً على ان الشعوبُ
مُعسكرة والإنسان مجند، وكبقية النهايات، يتقاسم
"القادة" السلطة ويُكرِمون قتلى بعضهم البعض عندما
يُعتبرونهم شهداء.
كما في لبنان التي رأت مارأته من معارك حركة امل
الشيعية مع حزب الله الشيعي بعد انشقاق الأخيرة،
وما مر به المسيحيون من معارك دامية، وبين الفصائل
الفلسطينية في داخل مخيماتهم، وما يحدث الأن على
الساحة اللبنانية من مواجهات بين الأنتماء الواحد
(الطائفي) والمواجهات التي دائماً ما تتكرر على
مسامعنا في العراق بين الشرطة (تابعين للمجلس
الأعلى للثورة الإسلامية، بزعامة عبدالعزيز
الحكيم) وجيش المهدي (تابعين لمقتدى الصدر) وهما
الإثنان من شيعة العراق. اتضح ان الأنتماء وجشع
السلطة قد فعلا مافعلاه ومازالا بالشعوب التي
لاتعرف وقد لا تريد ان تعرف معنى ان يكونوا
مواطنين في دولة مؤسسات.
من بين الأسباب الأخرى هو الإنسان الجُهيل، والقصد
هنا، هو جهل المتعلم لا جهل الأمي، قراءت قبل حين،
مقالاً لاحد السادة الذي عبر فيه عن رأيٍ يقول به
بعض المتعلمين وهو "السياسة، الفعل الاقذر والاكثر
لااخلاقية في افعال البشر، ومن رحمها تولد الحروب
واشكال السلطة والقمع والقتل، وباسمها ترتكب افظع
القبائح! من المقولة الماكيافيلية "الغاية تبرر
الوسيلة" الى القول المزيّن والملطف "السياسة فن
الممكن" نطل على المشهد المقلق، بل المؤلم، منذ
المجتمعات الاولى الى يومنا الراهن، ويكاد يكون
مشهداً ثابتاً غير متحول."
هذا نص اقتبسته من مقالة منشورة كانت تتحدث عن
علاقة الأخلاق بالسياسة، وقد كُتِبَ قبل اسم
صاحبِه "الكاتب" اي قد يكونُ قدوةً لبعضهم، هو
معذور وايضاً بعضِهم، فهم تعرفوا على العلم من
خلال ممارسات من لا يعرفون عن العلم اكثر من هم،
كما يقول استاذنا الدكتور مهدي جبر مهدي، مشكلتنا
في ان من يمارسون السياسة ليسوا سياسين، اي انهم
لم يدرسوا السياسة، بل سمعوا كما غيرهم ان السياسة
(كذب، تمثيل، غاية تبرر وسيلة.....الخ) واعتنقوا
هذه الأراء بسببِ تاريخٍ طويلٍ من الظلمِ والحيف
اللذان اصابهما على يد الأغلظ، نتيجة إلغائهم
لعقولهم وخضوع إرادتهم لمخاوفهم.
السياسة كعلم ونظريات وفنون قد نتخلص منها، ولكن
ماذا عن الممارسات اليومية التي لا يمكن فصلها عن
كونها سياسة؟ ماذا عن تحليل الظواهر السياسية؟
ماذا عن إدارة الدولة، داخلياً وخارجياً؟ التعريف
الشائع للسياسة، "هي فن ممارسة القيادة، وفلسفة
حكم، وعلم السلطة او الدولة"
الطفلة الصغيرة التي تتملق امها حين تطلبُ شيئاً
والرجل حين تدنو ساعةُ فراشه والحبيب غافلُ، وحفظ
الدماء حين تصبح الحروب على الأبواب، او ليست
السياسة هي المفتاح؟
السياسية في غالبية دولنا ومناطقنا هي سياسة عرجاء
وشعوبنا دائمي الربط بينها والكذب والقتل والخيانة
والأنا، لماذا كل هذا ياترى؟ ليس لأي سببٍ سوى
لأننا لانملك فكراً سياسياً ناضجاً مايجعل من
ممارستنا السياسة ناضجة، ما يؤدي بدوره إلى خلق
المعنى الحقيقي للسياسة لدى المواطن.
نقطة أخرى مهمة لغرض وجود فكر سياسي، وهو
الأستعداد للتغير، اي الإستعداد العقلي لأجل
التفكير بكل ما مطروح من افكار وعدم الإقصاء
المباشر تحت ذرائع ومسميات انزل بها سلطان الغرور
والتعالي.
بالإضافة إلى تغير الإستعداد، الذي هو الإستعداد
على اساس الإعتقاد ان التغير افضل وان التغير
سيكون الحل، وامكانية حدوثه عن طريق العقل وليس
السيف او على ظهور الدبابات فقط.
على المثقفين والكتاب ان يعلموا الناس كيف يتقبلوا
التغير ثم يطرحوا عليهم المراد تغيره والبديل،
الناس في بلداننا يخافون التغير، بل ويرعبونه وهم
لا يعرفونه بالمجرد، فأدبياتنا تعلمنا بالسيف
والدينار والحديد والنار يكون التغير الذي هو
ضرورة اكتشفتها شعوبٌ قبلنا.
(4)
إذا كانت المشاكل الدولية تُحل بقانون القوة فما
الجدوى من النظريات السياسية والفكر السياسي؟ اليس
هذا ماسيجب به من شارك في إيصال الحال إلى ماهو
عليه في العراق إن سؤئل، لماذا لا تملكون فكراً
سياسياً؟
مجتمعاتنا تعاني الإنحطاط الفكري والحضاري
والسيادة فيها لقانون القوة، لدرجة انها اصبحت
لغةً عالمية يصنف فيها الرابح على اساس مدى القدرة
التي يمتلكها من العنف، خير دليل على هذا القانون
هو تقرير بيكر/هاملتون الذي يبدو وانه اكثر من قشة
فرضتها "الديمقراطية" لإنقاذ الحكومة الأمريكية من
الغرق في "قوة" مستنقعات العراق الحمراء، وبذلك
يكون قانون القوة هو القانون الأمثل لحل اكثر
المعضلات استعصاءً، وهي نفسها "قانون القوة" التي
دعت الولايات المتحدة إلى التفكير بالتحول نحو
الديمقراطية في العراق والشرق الأوسط، وهي الأن
تفرض عليه التحول عنها!
يسأل احد مؤرخينا الكبار "هل سيتعلم العرب كيف
باستطاعتهم ان يطوروا فكرهم السياسي مستقبلا؟"
فيجيب "هذا لا يتحقق الا اذا التصقوا بقضايا
واقعهم التصاقا حقيقيا".
بل هو لا يتحقق حتى ينفصلوا عن قضايا واقعهم
إنفصالاً حقيقياً ليستطيعوا ان ينظروا الى مشاكلهم
بتجرد لتكون الحلول على اساس العقلِ لا الصراخ.
هذه ليست دعوة إلى اللا إنتماء، بل هي دعوة إلى
انتماء عقلاني يعتقد بوجود انتماءات اخرى على
الكرة التي يعيش عليها، وان لهم مثل ما له في
الحياة، وإن التصق كلٌ بقضياه، بمعنى ان لن ينفك
عنها إلا إذا ما انفك عن الدنيا، سيزداد المجتمع
الغابوي توحشاً والغالب فيه هو الأكثر إلغاءً
لعقلِه.
افلاطون يعرف العدالة تعريفا اولياً عندما يقول
انها (إعطاء كل فرد ماله) ذلك ان ما "له" هو ان
يعمل حسب حالته الكائنة بالفعل في ضوء مؤهلاته، في
حين ان ما "عليه" هو ان يؤدي بأمانة الأعمال التي
يتطلبها المركز الذي يشغله، وهذا ينطبق على مراكز
الدول ايضاً من النواحي العسكرية والأقتصادية.
اما بالنسبة للأفراد، فماله تختلف من فرد في مجتمع
مدني عن فرد في مجتمع سياسي وهما في شعوبنا
تختلفان عما للفرد في االمجتمع الأهلي (الشعبي)
والكل يتداخل مع بعضه البعض ويرتفع ما "له" وينخفض
حسب الأنتماءات التقليدية، بسبب ضعف القانون
وهيمنة تكتلات ال "نحن" داخل ماتسمى بدولنا.
هل هذا المفهوم البسيط للعدالة ايضاً غربي ولا يجب
ان نأخذ بِهِ، إنهُ مفهومٌ إنساني، من اليونان
التي لا يعتبرها الكثير من المفكرين الأمريكين
وألاوربيين ضمن ثقافتهم "الغربية" بسبب انتمائها
الأرثودوكسي.
قبل قرابة 2400 سنة من الأن قال افلاطون في
جمهوريته (بعد ان كنت متلهفاً إلى اقصى حد للأشغال
بالشوؤن العامة، انعمت النظر في معترك الحياة
السياسية فراعني تلاحق الأحداث فيها، واخذ بعضها
برقاب بعض، فأحسست بدوار، وأنتهى بي المطاف إلى ان
اتبين بوضوح أن جميع انظمة الحكم الموجودة الأن،
وبدون استثناء انظمة فاسدة)
يبدو ان فساد الأنظمة، إحدى الصفات التي يجب ان
تلازم البشرية في كل زمانٍ ومكان، وقد يعود هذا
بالإساس إلى أن اصل الإنسان او الغالب فيه هو
الشر.
دخلت امريكا العراق تحت ذريعة اسلحة الدمار
الشامل، وبعد ان تبين عدم وجود مثل هذه الأسلحة،
قال السيد بوش، سننشر الديمقراطية في العراق، ثم
نصدرها إلى شعوب المنطقة فطوبا للشرق اوسطيين،
وبعد الفشل، انتقل إلى الحديث عن محاربة الإرهاب
وجعل العراق مقبرةً للإرهابين، فهُزموا شر هزيمة
وتحول الخطاب إلى "إستقرار العراق" والمنطقة،
ونتاج بيكر/هاملتون خير دليل، تغيرت المسميات
وتغير المشهد، فجماعة "محور الشر" باتوا "ضرورة
مشاركتهم في الحوار الدبلوماسي" و "القضايا الصعبة
بين امريكا وسوريا وايران يجب ان تنحل" واروعهم
"يجب أن تضع واشنطن في اعتبارها نظام الحوافز
لإشراك سوريا وإيران" و "إقناع إيران" وما إلى ذلك
من حقائق في التقرير الأخير.
والأن يجري الحديث حول البحث عن رجل قوي لقيادة
العراق وتقويته مركزياً، وقد يكون البحثُ جاريٍ
عمن يطبق نظريات توماس هوبز القائل بضرورة النزعة
الدكتاتورية في الحكم، بسبب الشر جوهر الإنسان.
(5)
خُلاصة
إتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل إن
الأحياء أموات...(إبن خلدون)
الإستغناء عن التفاخر بالماضي يكون من خلال قدرتنا
على تشخيص عللنا فيه وفي الحاضر الذي نعيش، لنتمكن
من إصلاح ما يمكن إصلاحه، فيكون المستقبل افضل دون
الحاجة لمتنبئ.
سأحاول تحديد خلاصة اسباب فوضى فكرنا السياسي الذي
هو بالنتيجة سبب الفوضى الذي نعيش، في النقاط
ادناه:
1. هشاشة وتناقض الأرضية التاريخية الصالحة لنشأة
فكر سياسي
2. عدم الأستقرار السياسي، بسبب عدم وجود إجماع قط
على سلطة حاكمة (والبعض مفاخراً يعيدها إلى
الغِلظة)
3. عقم شعوبنا في ولادة الآحاد، و ولادة رجال
"قادة" مشوهين
4. التفسير المختلف للتاريخ (فما هو مقدس عند بعض،
هو من الكبائر عند اخرين)
5. الرعب من الأفكار الجديدة ومحاربتها انطلاقاً
من العرف
6. القمع دائم الحضور، فما الحاجة للنظرية
السياسية لأجل حل الخلافات.
7. التربية على اساس من ليس معنا فهو متأمرٌ
علينا.
8. لا وجود لمعنى المعارضة السياسية في تاريخنا
فالمعارض إما قاتلٌ او مقتول.
9. رفض تاريخ غيرنا، بل ورفضه.
10. ضعف المناهج والنظريات الأولية.
11. تناقض سياسات حكوماتنا الداخلية مع سياسياتها
الخارجية.
12. فقدن شعوبنا الثقة بباقي الشعوب وفيما بينها.
13. عدم قدرة الحرية حسب مفهومنا لها على ان تكون
اساساً للفكر السياسي.
14. طريقة الموت هو المحور الأساس في تراثنا،
الإهتمام بالغيبيات على حساب الظواهر الحية.
15. النظر بالشك والريبة الى كل نتاجات الغرب
الفكرية على اساس الأختلاف الحضاري، وعدم لقدرة
على إيجاد البديل.
16. السلطات الحاكمة تستمد شرعيها من كونها "ولاة
امر" حتى وإن فسدت او افسدت.
17. عدم الأعتراف بوجود كل هذه الخلافات لأجل
محاولة البحث عن ارضية مشتركة للأنطلاق من جديد.
فشل جميع المحاولات في الوصول إلى فكر سياسي صالح
يقودنا إلى السؤال عن مدى قدرة عقولنا على
الإبداع؟ وهل حقاً ان قانون القوة هو أفضل ما يجب
إتقانه، إن اردنا السيادة او المشاركة فيها؟ أعتقد
حان الوقت لنعرف تاريخنا ونحاول ان نتفهم بعضنا
البعض وان نتقبل الأصلح من غيرنا لا على طريقة
"فرنسا المضيافة، هذه كلمة جميلة، لكن لنستضف
ذوينا اولاً" بل لنستضيف الأصلح، وإلا فلنتمرن على
الغِلظة التي ستكون بمثابة القانون الذي سيكون طوق
النجاة.
المصادر
1. الجمهورية/ افلاطون/ ت: حنا خباز/ دارالقلم،
بيروت
2. نحن والأخرون/ تودوروف/ ت: د. ربى حمود/ دار
المدى للثقافة والنشر، دمشق
3. تطور الفكر السياسي/ جورج سباين/ الكتاب الأول/
ت: حسن جلال العروسي /دار المعارف، مصر
4. صامويل هنتكتن/صدام الحضارات/الطبعة الثانية/ت:
طلعت الشايب
كاتب وباحث
العراق / الموصل
|